السيد محمد حسين فضل الله
210
من وحي القرآن
وهال هذا الأمر فرعون وأسقط في يده ، واعتبرها مؤامرة مدبّرة في الخفاء ضدّه ، ورفض أن يصدّق أن القضية قضية إيمان صادق ينبعث من الحجة الواضحة والبرهان القويّ ، تماما ككثير من الطغاة الذين لا يريدون أن يعترفوا بالاستجابات الشعبيّة لقوى التغيير ، من حيث خروجها من واقع الإحساس العميق بالحاجة إلى التغيير ، والخروج من واقع الظلم والطغيان ، فيندفعون إلى التفتيش عن أسباب ظاهرة التمرد عليهم وعلى حكمهم ، في مؤامرات شخصية يحرّكها أعداؤهم . قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنه ينكر عليهم أن يؤمنوا قبل أن يأذن لهم ، كأنّ عمليّة الإيمان تحتاج إلى الإذن الفرعوني ، كما يحتاج إليها أي عمل آخر يتعلق بقضايا الإدارة والحياة . . . وتلك هي عقليّة الطغاة وسيرتهم في كل زمان ومكان ، عندما يريدون امتلاك عقول الناس وأفكارهم ، فلا يفكرون إلا بما يقدمونه لهم من أفكار ، ولا يؤمنون إلا بما يدعونهم إليه من عقيدة . فالتفكير ممنوع ، والإيمان محرّم بدون الإذن الرسميّ من قبل السلطة التي تملك العقول - كما يخيل لها - كما تملك الأجسام والأعمال . * * * فرعون يصر على كفره ويتوعد السحرة إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . وهذه محاولة لتخفيف وقع الصدمة على نفسه ، وحراجة الموقف فيها ، لأنّ ما حدث يشكّل نقطة ضعف في سلطانه ، باعتبار أن المتمرّدين من أتباعه المقرّبين ، فيحاول أن يصوّر لنفسه وللآخرين أن القضية - منذ البداية - لم تكن تمرّدا عميقا يصدر عن قناعة بالدعوة الجديدة ، أو رفضا للسلطة القديمة بكل ما تمثله من أفكار ، بل كانت مؤامرة مدبرة بين موسى وبين هؤلاء السحرة ،